دعوة علمانية في ثوب روحي ....




"عندما تسمع الهجوم على الفقه الإسلامي ، فهناك تلتقي العلمانية و الصوفية " ( الصوفية الحلولية أقصد) 

طالعت مؤخرا كاتبا عراقيا يدعى
عبد الرزاق جبران ، يدعوا إلى ما يسميه الوجودية الإسلامية ، و أنا لا أرى ضرورة لإضافة كلمة الإسلامية ، لأنها مجرد تلبيس للمعنى ...
سأسرد ببعض من المقولات الملخصة لفكرة ثم أبدأ في مناقشتها : 
" حينما قطع المعبد الطريق على الحب .. كفر التاريخ و حينما زوَجَ الناس دون حُب صار المعبدُ مبغى- انقلاب المعبد
*تعساً لصلاة تدخلك مسجداً بُني بجوع الناس فالله مبدأ و ليس فقهاً .. و الناس هم رسالته و ليس الصلاة
*لم يقتل الإسلام إلا الفقه...تماماً كما لم يُدمر المعبد إلا الكاهن في الأديان
إلا لجهل الذي بناه المعبد .. يفوق الجاهلية التي هدمها!!!.
*الأشياء فقدت وجودها بُعيد تديينها مع المعبد، و بهذا فإنها "فقدت ألوهيتها"..
*إلى المخدوعين بنسخة من الإسلام ما زالوا يرتلونها على أنها لسان نبيهم..بينما الحقيقة أن النبي ذهب بنسخته، و بقينا لنسخة الكهنة و السلاطين! - جمهورية النبي-
*لا عقل ولا فلسفة ولا فقه ولا إجماع كل ذلك كذبة شرب بها الناس ومازالوا يشربون وعنها شربوا كل دماء إخوتهم بإسم ذلك الفقه و ذلك العقل والإجماع!


باختصار عبد الرزاق جبران يطرح أفكار للتجرد من " المعبد " أي العبادة
ثم  من الفقه و الفلسفة و المنطق الإسلاميين أي العلم (( (و هي نزعة إن تأملنا لادينية  حتى و لو دبجها ببعض المصطلحات ، ،
مستخدما لغة صوفية ، تسوى أولا بين الأديان و الإسلام (  و هذا تعميم كاسح  ) ثم تنفر من العلم ، فليس هناك في نظره إلا رب و قلب ، و من ثم هو  يدعوا للعودة إلى حالة "إنسانية" طبيعية ،
كما يدعوا إلى  عدم الولاء للدين و الجماعة الدينية  ( و هنا أيضا يعمم على أي جماعة دينية ، حتى و لو كانت تجتمع على الحق و على نصرة المستضعفين ) و استبداله  بالولاء للإنسان ( على أي اساس فكري ؟ ، على أساس مادي سينحصر في شعب أو في عرق أو في وطن  ) 
و يدعي أن الفقه سرق الدين و أننا نعيش في الزور و الزيف و في منهج يؤدي إلى سفك الدماء  ( لا يميز هنا بين القتال من أجل الحق و القتال من أجل الباطل ) و يسخر في خدمة السلاطين.
و لكنه لا يقيم الدليل على زيف أو  فشل هذا الفقه و هذا المعبد في نظره ( المسجد عند المسلمين) في تسيير الحياة و نشر الخير و إصلاح أحوال البشر 
أو أنه تم تسخيره في خدمة السلاطين ،
بينما بالمقابل ، قليل من التأمل في القرأن و في الثقافة الإسلامية ، نستشف منها أن القرأن   يأمرنا بقول الحق و الحكم بالعدل و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مهما كانت الظروف .... تجلى ذلك في سير الصالحين و تضحياتهم و  تاريخ المسلمين بدءا من السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة و السلام إلى الصحابة و التابعين و المجاهدين عبر العصور ...
 ثم المكتبة الإسلامية ، التي يضعف اطلاع المثقفين المعاصرين عليها مع الأسف ،تحوي  الالاف المؤلفة من  المؤلفات  على مدى 14 قرن كما تسجل مواقف العلماء  الذين يقولون  الحق و الحكمة  بالفقه و العقل و المنطق الإسلامي ،
 و هنا لا يتوانى عبد الرزاق عن إصدار حكم نهائي  غير علمي عليها ، دون أدنى دليل أو اقتباس منها ، و هو يصعب عليه  الإحاطة بها قراءة فضلا عن  دراستها  فضلا عن الحكم عليها ، ...
كل ما هناك  أنه _ إن  أحسنا الظن _  متؤثر بتجربة الطائفية و الحروب و الممارسات الخاطئة التي لمسها في الدول القطرية ،  التي يدينها الفقه قبل أن تدينها أي مرجعية أخرى.
 و لا ينبغي أن ننسى أنه لولا  الفقه الإسلامي لما بقي أثر للطوائف، فهو الذي ألجم و حافظ على وجود " الأقليات و الطوائف " في حين اختفوا و أبيدوا في الدول العلمانية ،  و سأضرب مثلا واحدا  رواه الدكتور المسيري رحمه الله ،  فقط من مصر : في عهد الخديوي إسماعيل ، جائته فكرة نفي النصارى إلى السودان نتيجة المشاكل التي أثارها بعضهم ، فوقف له الأزهر بالمرصاد و أصدر فتواه بحرمة هذا الفعل ، فتراجع ، فلو تحرر  الخديوي  من الفقه  كما تحرر كثير من حكام الغرب العلمانيون لوقع النفي و الإبادة. ، ،
و لا نعدم الشواهد التاريخية على أن الفكر الأروبي أنتج  تاريخا من  قمع الأقليات و إبادتهم   التي انطلقت من الفكر المادي اللعين ،   المعادي للدين ، و  التجربة نازية  و الإستعمارية الإمبريالية تجربة حية في هذا المجال. 

. ثم إن الأمر بالصلاة و التعبد عموما و اتباع الأوامر الشرعية ، هو ما جاء به النبي صلى الله عليه و سلم ، و هو من القطعيات في الشريعة ، فإذا قامت عند الإنسان العاقل  الحجة على وجود الله و نبوة النبي صلى الله عليه و سلم ،  فكيف يستقيم التخلي عن العبادة و الأحكام الفقهية ، بحجج واهية  أنها تقتل الإنسانية و الإسلام و و أن الفقه هو نسخة الكهنة و السلاطين ، و غيرها من الزعوم و الإفتراءات دون حجة و لا برهان...
إن الإنسان المسلم العامي الأمي له معايير أصفى و أنقى للتمييز ، يقيم الصلاة و ينهى عن المنكر ، و يرى بوضوح الفاصل بين الإسلام و بين ممارسات الناس حكاما و محكومين ...
أنا لا أرى في أفكار عبد الرزاق جبران و " الوجودية " سوى دعوة علمانية بثوب صوفي حلولي ...
و هو ربط سبق إليه الدكتور عبد الوهاب المسيري حين ربط بين وحدة الوجود المادية و وحدة الوجود الروحية.

و ما أفكار سبينوزا " الإله أو الطبيعة "   عنه ببعيد....
و لهذا لا  يستقيم الجمع بينها و بين الإسلام . كما لا يستقيم الجمع بين الإيمان و نقيضة ، لأن جوهر الإيمان و ثمرته هو الإذعان لأوامر الله سبحانه و تعالى المفارق للمخلوقات ، المنزه عن خلقه ، ( و ليس حالا في الطبيعة أو الأشياء ، و ليس هناك أشياء إلاهية، فهذا حلول )  و الإذعان لسنة نبيه صلى الله عليه و سلم التي هي مدار الفقه  .و التشريع 
فالإسلام حالة قلبية يتولد عليها عمل و قانون في المجتمع ، و ليس مجرد حالة صوفية فردية ....

تعليقات

الأكثر قراءة:

وصلة إشهارية للدموع....

حول كرة القدم ...

أخطاء شرعية فايس بوكية

نقد فكري لدورات التنمية البشرية

كيف تميز التصوف المنحرف عن التصوف السني ؟