سالي ، سالي ...





كثير منا يتذكر تلك السلسلة من الرسوم المتحركة المؤثرة ، سالي،  البنت الصغيرة السن التي أضحت يتيمة ، عزيزة قوم ذلت ، تحولت في لحظة إلى خادمة في مدرسة داخلية بعد أن كانت أميرة تلميذة فيها ، كم هو مؤثر تلك المشاهد عن قسوة مديرة المدرسة معها،  حين ترتكب إحدى التلميذات الشريرات خطأ ثم تلصقه بسالي المسكينة ظلما و عدوانا ، فينكسر قلبي سالي من الكلمات الجارحة و ربما الضرب،   وهي  لا تنطق
، و تمضي حزينة و الدمع في خديها  إلى بيتها الكئيب في القبو، حينها،  يبزع أمل في الليل ، حيث يأتي لها أحدهم ليلا_ و هي نائمة و دون أن تحس_ بطاولة فخمة عليها الأوان الذهبية مع وجبة عشاء فاخرة ، فتستيقظ على  هذه الطاولة و هذا العز،  و لكنه لا يدوم، ( كما هو حال الدنيا )،   حتى ينقرض بسرعة لتعود صباحا إلى حياة المعاناة المستمرة ، حينما تشاهد   تلك الحلقات مع ذلك النشيد الكئيب ، تمتلأ شفقة و حزنا على سالي ، و قد تبكي لحالها ،

خلفت هذه السلسلة في نفسي بل في نفوس جيلي أثرا طيبا ،
خصوصا حين نقارنها برسوم اليوم من البوكيمونات وعالم الديجتل و  أمثالها ، حيث أنها رسوم غير منطقية لا وجود فيها للدراما،   أو الخير و الشر، أو الظلم و العدل ، لا وجود غير لكائنات غريبة تتصارع بلعب، تتحول إلى وحوش تتطور باستمرار، فيما يشبه اللعبة الإلكترونية ،
 و النظرية التجارية  و الرؤية المادية للعالم  في كل هذا تجد مكانها،  فتلك الرسوم وظيفتها أن تصنع الخيال الذي سيكمله الطفل  بشراء تلك  الوحوش الصغيرة هذه المرة من محلات نيو بوي و أمثالها من شركات اللعب ، أو يلعب فيها في ألعاب الفيديو التي تذر الأن المليارات ، 
 إن تلك الرسوم ليست سوى جزءا من ألة اقتصادية كبيرة ،

 و لكن المصيبة أن هذه الألة تطحن إنسانية الأطفال  بدل أن تنميها و تحولهم إلى كائنات مادية لا تعرف سوى الصراع و الإستهلاك و التطور .... 

أقول رغم أن سالي خلف في نفسي أثرا طيبا و أعتبر أنه مع  جيل من الرسوم المتحركة القديمة أكثر إنسانية مما هو موجود الأن ، غير أن رؤيتي لأحد الحلقات مؤخرا جعلني أرقبها بعين جديدة ، بعين النقد،
و هو شيء ضروري  في نظري لكل ما نستهلكه من إعلام ،بما أننا  لا نصنعه بل يصنع لنا ،
و أنا أشاهد تلك الحلقة و خصوصا ذلك الموقف الذي حكيته عن قسوة المديرة و انكفاء سالي على نفسها،بدأت أتساءل ؟  
لماذا سالي تبقى سلبية دائما ، لماذا تقبل الإهانة و الذل، لماذا لا تدافع عن نفسها و تثور ضد هذا الظلم ، ثم  لماذا يحصر  الخير و السعادة   فقط في تلك الأواني الذهبية ، و الفخفخة التي تنتهي سريعا ،
هل مطلوب منا أن نقبل دائما بالإهانة  و الظلم، و نعتبره قدرنا و أنه لا خيار لنا ...
ألا تفترض هذه الفكرة أن لا إله في الوجود ينصر المستضفعين ، و أن قدرهم أن يتكيفوا مع الوضع و يقبلوا بالأوضاع الجائرة ؟ 
فلنتصور معا نموذجا أخر، ولقد كنا بحاجة إليه في طفولتنا ....
 فتاة مؤمنة قوية _بدل سالي الضعيفة _ ترفض الإهانة بحزم و تسمع المديرة الكلمات التي تستحقها و تأبى الإستعباد ، و تنطلق باحثة عن رزقها في مكان أخر فالله هو الرزاق، و تعيش نتيجة هذا الموقف الشجاع و الإيجابي حياة ليست بالقطع غنية و لكنها كريمة ، ثم تستطيع أن تكمل دراستها بعد ذلك و تبلغ ما تبلغه من مجد دون مساعدة أو ذل لأحد، و دون انتظار الأمير الذي سيأتي من أين لينقذها، الذي سينقذها حقيقها هو إيمانها و إيجابيتها، ثم قد تجد في طريقها أميرا صالحا يحترم فيها هذه القيم  فتصبح زوجة صالحة له و ربما أما سعيدة  بعد أن عاشت حياتها عزيزة ،  أليس هذا هو النموذج الذي نحتاج أن نتلقفه وإخواننا الصغار و  أبنائنا ، بدل الحزن و الكأبة و السلبية المستمرة ؟
إننا فعلا بحاجة أن نتصور حياتنا  بطريقة صحيحة، و أن نمتلك الثقافة و نصنع الإعلام الذي يدفعنا إلى تحقيقها ، حياة الإنسان المسلم المؤمن المتوكل على الله حق توكله ، الإيجابي في تعامله مع مصاعب الحياة. ذلك أفضل لنا في دنيانا و أخرتنا.
سالي على جمال و حزن  قصتها، و التعاطف الهائل الذي تثيره ، ليست نموذجا ، النموذج موجود في عمق ديننا ، في بطون الكتب ، في الصحابيات الجليلات و المسلمات الأوائل الذين قاتلوا عند الضرورة، في المرأة الفلسطينية ، التي تجاهد ضد الباطل و لا تركع ، إنها نماذج يمكن أن نراها في القنوات الفلسطينية ( الأقصى، القدس...)  ،  إنها النماذج الحقيقية الرائعة التي   تحتاج إلى من يقرأها ،  ثم  يحيلها  إعلاما للأجيال التي لا تجد ما تستهدي بها في خضم هذه الأمواج الإعلامية المتلاطمة.    

تعليقات

  1. حتي الرسوم المتحركة لم تسلم من الترشيد المادي

    ردحذف

إرسال تعليق

الأكثر قراءة:

وصلة إشهارية للدموع....

حول كرة القدم ...

أخطاء شرعية فايس بوكية

نقد فكري لدورات التنمية البشرية

كيف تميز التصوف المنحرف عن التصوف السني ؟