الاصلاح و المشاكل النفسية ...
قبل الدخول في صلب الموضوع لابد من التقديم له بأفكار مهمة :
- أن تصلح في الأرض هو عمل من صميم الاسلام ، إنها الأمانة ، أمانة الخلافة في الأرض التي كلفنا الله بها ، فتجاوز الواقع و محاولة إصلاحه و عدم القبول بتناقضاته هو ترجمان الايمان الصحيح بالله ، الذي ينبعث عمل صالحا ...
- لكن الاسلام و الاصلاح هو أمر يقوم به بشر ، يعجون أيضا بالعيوب و التناقضات ، فينبغي عليهم أن ينجحوا في تجاوزها ، حتى يؤثروا في الاخرين ... ففاقد الشيء لا يعطيه ...
- فالمدخل الصحيح للإصلاح هو البداية بإصلاح النفس ، ثم الاتجاه إلى المجتمع ، و الاقتصار على أحدهم عمل أعرج ، فكم من داعي إلى الفضيلة و هو يتنكر لها في سلوكه ، و كم من فاضل في نفسه مفسد لغيره بسلبيته المقيتة...
فهل يخطأ كثير من المصلحين طريقهم ؟ و هل يعاني بعض المصلحين من عقد نفسية ؟
نعم ، حين يريد الانسان من الإصلاح أن "يحقق ذاته " ، و أن يعوض "نقصا " يستشعره في نفسه ، حاجة إلى ثناء الناس ، حين يصبح التقاط الصور له و نشرها أهم بالنسبة له من العمل ذاته ، فيعتبرالعمل المخفي( الذي لم يظطلع عليه إلا الله ) لا قيمة له ، فلا يعطي القيمة إلا لما رأه الناس و أعجبو به ... حين يعمل عملا لسبب واحد هو أنه يستشعر حاجة نفسية له ...
إن كل هذا ترجمة لاختلالات نفسية ، فالإسلام يحتاج نوعا من المخلصين ، لا يبالون بذواتهم ، و لا يهتمون بها ، يكافحون من أجل الحق لا يريدون على ذلك جزاءا و لا شكورا ، لا يطمعون في مغنم و لا يتهيبون مغرما ، لا يريدون ذكرا من الناس ..
يحتاج لمتجردين للحق ، لا يبالون بأنفسهم و ما ينالون من خير أو شر في هذا الطريق...
لا يتمركزون حول ذواتهم ، بل حول الحق...
كطبيب تعاملت مع مرضى نفسيين ، و عندي دراية لا بأس بها بالاختلالات النفسية، التي قد تصل إلى حد المرض الذي يستوجب العلاج الخارجي..
فالفاصل بين المرض و بين الصحة النفسية خيط رقيق ...
أستطيع أن اقول أن سلوك كثير من " المصلحين " يطفح بكثير من العقد النفسية ...
فأحدهم يرى أنه يستحيل أن يخطأ ...
و أخر حريص على إظهار ذاته على حساب الاخرين و لا يمكن أن يمر دون أن يسجل حضوره. و لا يقبل بتهميشه أو استبعاده. حتى أنه قد يقاتل من أجل أخذ الكلمة في المنتديات العامة و تسجيل حضوره ...
و منهم من يتصور نفسه مركز العالم ... فما يراه هو نهاية ما يجب فعله ، و تطوره الفكري الذاتي الذي يختلف من مرحلة إلى أخرى في حياته يكون دائما هو الحق الذي يجب اتباعه ...
و منهم من له سلوك مسيطر يجعل من يحيط به لابد أن يخضع له تماما ... ويصبح كأنه أسير في يديه...
و مع الاسف فكثير من هؤلاء ، يحتاج إلى من هو أعقل منه ليراقب سلوكه و يساهم في تصحيحه أو علاجه و لا يجد من ينصحه نصيحة صادقة ، فهو في القيادة على ما فيه من علل، يزيده الاتباع و إعجاب الاخرين غرورا ، فيكون ممن " استخف قومه" ....
لقد كان نظام التربية الاسلامية القائم على التواصل بين الاجيال و التلمذة يعالج جزءا كبيرا من هذه الاختلالات ، أو على الاقل يرصدها، حتى يستطيع الحد من تأثير أصحابها، عن طريق وجود علماء في العلم و السلوك ذوي خبرة في الحياة، يتعهدون طلابهم ، فيطالبونهم بتخطي مراحل في طلب العلم و تزكية النفس من أجل الوصول إلى الاستاذية و توجيه الناس...
إنه حس من المسؤولية الاخلاقية كان عند هؤلاء العلماء ، فلا يقدمون إلا من يستأمنونه على العقول و النفوس ...
و غياب أو ضعف هذا النظام التربوي في هذا الزمان جعل الساحة تعج بالشخصيات ذوي العقد النفسية ، أو ذوي المراهقة الفكرية ، أو القصور المعرفي ... ، و هؤلاء ضرهم أكثر من نفعهم ...
إن تطرق موجه مثلا لشواذ القضايا في محفل عام ينم عن خلل نفسي و عقلي أكثر منه خلل معرفي ، فقد يكون محيطا تماما الاحاطة بالموضوع... و لكنه أخطأ اختيار الموضوع ، الذي فيه من الاثارة و الظهور الشخصي و الشهرة أكثر ما فيه من المنفعة الحقيقية للناس ...
ينتقد الكثير من المثقفين المعاصرين فكرة المشيخة في العلم ، و يتصورونها إلغاءا للعقل ، مع أن الامام الشافعي كان تلميذ الامام مالك و لم تمنعه مشيخة الامام مالك من أن يخالفه لكنه خالفه بمنهجية ،
المشيخة العلمية ( وليس الصوفية ) هي المنهجية ، هي المسؤولية ...
إن بديل المشيخة هو الفوضى ، و هو ما لا يدركه العديد من الناس ...
أختم بقول الامام زروق رحمه الله :
إن أركان هذا العلم أربعة :
عقل رجاح ، ( أي يحسن الترجيح ) ، و شيخ فتاح ( يجيب عن الاشكالات)، و كتب صحاح ، و طلب و إلحاح ،
و إن العلم لابد له أن يكون منه و منك ، فإن كان منك فقط فجهالة و بعد ، و إن كان منه فقط فجمود و تقليد ..

تعليقات
إرسال تعليق