الزواج بين الفردوسية و الواقعية

حسب المفكر المصري عبد الوهاب المسيري رحمه الله يوجد نوعان من الحب ..

الأول : حب رومانسي خارج عن الزمان و المكان ، مؤقت ، تعبر عنه قديما أشعار المحبين التي تتصور استحالة الحياة دون الوصال، و نسيان العالم و الأسرة و الوالدين و العمل و القيود الاجتماعية عامة... يقتضي هذا الحب عند أصحابه  فعل أي شيء من أجل الحبيب و تجاهل كل شيء من دونه، و أن تعيش المتعة معه و المتعة فقط... هو حب دون سبب ، و هو في حقيقته  حب  متمرد لا يتقيد بشيء، ( حتى بالدين) ..

الثاني : حب تساكني متعايش مع الواقع ، أكثر دواما ، يعترف بالقيود الزمنية و المكانية، أكثر اعتدالا،مثل النهر ، يسلك طريقه حيث يجب أن يكون ،  يمر بأوقات جفاف ، و أوقات مطر ،  يسقى بالتضحية و الوفاء و الذكريات الجميلة. و تقطع طريقه سدود الجفاء و الأنانية و الذكريات السيئة...

عند كل متزوجين (يحب بعضهما بعضا ) ، يكون الحب في مرحلته الأولى رومانسيا، و هو ما يصطلح عليه  بشهر العسل، ثم ينسحب هذا النوع المؤقت  ( و لا يبقى منه إلا الذكريات ) ليفسح الباب للنوع الثاني إن توفرت موارده من التضحية و حسن الخلق، و إلا خلف انقضائه  فراغا ،  صحراء من  الخلافات التي يذكيها اختلاف الطباع و الاراء...
فالزواج مغرم و مغنم ، متعة لها تكاليف ...

يذهب الجمال و يبقى حسن الخلق،
 يذهب الحب الرمانسي و يبقى حب السكينة و الرحمة ،
يختفي الحب التلقائي و يبقى الحب المؤسس على الإحسان و الجهد...


تهتم الأغاني المعاصرة كثيرا بالنوع الأول ، تطبل له ـ تدندن حوله ، و تهمش الثاني مع أنه أدوم و أبقى ...
إذا كانت الشهوة و المتعة هي أساس الأول ، فالفعل الأخلاقي هو أساس الثاني..
الحب الاول جزء من الانسان ، و لكنه لا يمكن و لا يجوز إلا أن يكون مؤقتا، إنه لحظات تغافل،  فنحن بشر مكلفون بأعمال و لحياتنا أبعاد عدة تشكل العلاقة الخاصة جزءا منها لا كل... بل حتى هذه العلاقة الخاصة تصبح  عبادة تدخل في إطار أوسع و ليست هدفا في حد ذاته ( و هو ما يناقض الرؤية الرومانسية بوضوح) ، إنها قصة صغرى يجب أن تدخل في إطار القصة الكبرى ، قصة مصير الانسان و رسالته في الحياة..

شبه المسيري الزواج بالعمل الفني ، بالنحت ( و هو عمل شاق لمن يعرفه) ... جهد يفرز جمالا ...

ترى رجلا كبيرا يضحي مع زوجته المسنة  المريضة يخدمها و يدفع ماله من أجلها ، مع أنها فقدت كثيرا مما يمكن أن تقدمه له كامرأة، لم يعد كثيرا من ثرات الغزل و التشبيب قابلا للتطبيق على حالتيهما ، إنه حين سيمدحها لن يذكر جمالها الجسدي  بتفاصيله كما يفعل الكثير من الشعراء، سيذكر تضحيتها معه ، سيقول " غسلت ملابسي ، ربت أولادي ، طببتني حين كنت مريضا .. كانت معي رحيمة "
و لنا في  رسول الله صلى الله عليه و سلم  خير أسوة حين تحدث عن أمنا خديجة ،يعدد تضحياتها رضي الله عنها  فقال : " أمنت بي حين كذبني الناس ، واستني بمالها .."
لهذا الغرض ربما لم يذكر في القرآن النوع الاول و ذكر النوع الثاني :
" و من أياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودة و رحمة "


إذا كانت من نصيحة مخلصة لأي عريس و عروس،  أسقوا  زواجكم  بحسن الخلق و التضحية. اقتدوا برسول الله صلى الله عليه و سلم. 

تعليقات

الأكثر قراءة:

وصلة إشهارية للدموع....

حول كرة القدم ...

أخطاء شرعية فايس بوكية

نقد فكري لدورات التنمية البشرية

كيف تميز التصوف المنحرف عن التصوف السني ؟