لعب الأطفال .....قصة رمزية
مقال لمن يريد أن يصلح ....
أذكر عندما كنت صغيرا ، قصة أول لمسة لي
للكرة مع أصدقاء " الحومة "
كان سني أنذاك ، 3 سنوات و نصف
حينها لاحظ أخي انعزالي في البيت ، فأراد_جزاه
الله خيرا_ أن يفك هذه العزلة و يخرجني من البيت إلى العالم الخارجي
:
" الحومة " بالتعبير الدارج المغربي
، حيث أقراني يلعبون يوميا أمام منزلنا ، حيث يتخذون " كراجنا " مرمى و
" كراج " المنزل المقابل المرمى الثاني
المقابلة تجمع بين فريقين من 14 لاعب في
كل فريق في مساحة لا تتجاوز كما أسلفت عرض الزنقة التي يلعبون فيها ،
لا خطة و لا تمريرات و لا لعب جماعي و لا أي شيء ، و لا لاعبين احتياطيين ، كل من جاء يلعب ، يتقاذفون الكرة ، و يجرون ورائها و يجتمعون عليها جميعا ، تحسبهم جميعا و لكن كل يلعب على شاكلته
في وسط هذا الزحام ، طلب أخي و هو أكبر
منهم و له المكانة المحترمة داخل الحومة أن أدخل مع أحد الفريقين ، رفضني الفريقان
، فلم أكن أوحي بقوة بدنية ، ثم ما لبث " زعيم " أحد الفريقين أن قبلني في
فريقه على مضض
هذه أول مرة سأخرج إلى الشارع ، لا أعرف
ما معنى ذاك التقاذف ، و لكن سأفعل مثل ما يفعل الأخرون ، سأجري وراء الكرة
....
بعد ثوان من دخولي
يكتظ 29 لاعب أمام ملعب خصمنا و تتوه الكرة
الصغيرة ....
اختفت في مكان ما وسط "غابة"
الأرجل ، الكل يرمي رجله في كل الإتجاهات ....
تبدوا لي الكرة الصغيرة في زواية و قد تاه
عنها الجميع ، أتوجه إليها لأقذفها ،
إحساس من الرهبة ينتابني ، هذه أول كرة
سأقذف في حياتي ،
أقذفها و تدخل المرمى ،
يترامى علي 14 لاعب مقبلا و مهنئا ، ماذا
وقع ؟
لقد سجلت هدفا ، فهمت أن جوهر اللعبة هو
أن نقذفها لتصل ذاك المرمى
و تحولت في لحظة من لاعب غير مرغوب فيه
إلى لاعب مطلوب عند الفريقين
فزادتي ثقتي في نفسي و صرت في كل مرة أقذف
من كل إتجاه ، و كثيرا ما سجلت في ذاك اليوم و بعده ، و بدأ فريقي ينظر إلي كبطل ،
لم تكن لدي أي موهبة كروية و أي " علم " ، و لكني صمتي الطويل و ثقتي في
نفسي و اندفاعي أعطاني هيبة وسط الصغار
من شدة تعلقهم أنهم كانوا ينادونني لألعب
معهم ضد فرق الحومات الأخرى ،كما ينادون المنقذ ،
كانوا ينادونني و يترجون : تعال إلعب معنا
و إلا سنخسر ،
و كنا نفوز ضد فرق بنفس فوضانا ،
في يوم كانت لدينا مقابلة مع حومة أخرى
قوية و فيها لاعبون يتدربون في النادي ، و جاءوا يستنجدون بي و يستغيثون ، حتى تساءل
الفريق الخصم عن هذا الاعب الخطير الذي يستنجدون به ، جئت ، و منينا يومها بهزيمة نكراء
.
هذه الذكرى على طرافتها تعكس شيئا كثيرا
مما هو موجود في الواقع ، و تشرح فكر و سلوكات شائعة في مجتمعاتنا، في مؤسساتنا
....هي قصة حقيقية و رمزية أيضا ، و سلوكات الأطفال المبررة لضعف عقولهم توجد عند كثير
منا كأفراد و مجموعات و لا عذر فيها
دعونا نتأمل .....
الصغار يتعلقون بسهولة بشخص و يعتمدون عليه
فهو بالنسبة لهم منقذ لا يرون له بديل
أما الكبار تكون لهم خطة و رؤية و فكرة
لما يريدون يعتمدون فيها على جهدهم جميعا بل و على جهد غيرهم أيضا ، لا ترتبط بالأشخاص
فلا يزول عملهم بزوال الأشخاص
الصغار يخرجون للعب ،للمحيط الخارجي ، دون
أن يعدوا أنفسهم لذلك ، أما الكبار فهم يستنفذون العلم قبل الشروع في أي عمل و لا يخرجون
للمواجهة قبل التعبئة و الإستعداد .
الصغار مشتتوا الجهد فوضويون و لو بدوا
مجتمعين في مكان واحد
أما الكبار فهم يوزعون بينهم المواقع بحكمة
، قد لا يكونوا في مكان واحد قد يبدون متباعدين و لكنهم يسيرون على طريقة واحدة
يتوه الصغار عن هدفهم و يفقدون الرؤية لأنهم
يريدون أن يرو كلهم من نفس الزاوية ، أما الكبار فلا يفقدون أبدا الصورة الكلية لأن
كل منهم تخصص في زاوية فهو يتقن النظر منها
سهل أن تتميز وسط الصغار حتى و لو لم يكن
لديك علم أو كفاءة حقيقية ، حتى و لو لم تكن من الباحثين عن العلم ، سهل أن تقودهم
، و لكن ما تلبث أمام الإختبار الحقيقي أن تهزم ،و يهزموا معك
أما الكبار ، كبار العقول فهم يبحثون عن
العلم يزنون الناس بعلمهم الحقيقي و ليس بالمظهر
الكبار : كبار العقول ، كبار النفوس هم
الذين يستوعبون التحديات و يصلحون بحق
أما الصغار فكل ما يفعلون لا يعدوا أن يكون
....
لعب أطفال
أبناء أمتي ....
نحتاج أن نكون كبارا .....

تعليقات
إرسال تعليق