الممثلون ...و سحرة فرعون

مصابيح مزيفة...
عندما رأيته يؤدي دور الخليفة الراشد في مسلسل تلفزيوني ، دمعت عيني ،  فقد رأيت نموذجيا عاليا من العدل و الزهد و الإيمان ( أو هكذا هيء لي ) ، قلت إن هذا الممثل لا يمكن إلا أن يكون فيه قدر كبير من الصلاح و المبادئ السامية ، و إلا كيف استطاع تشخيص دور كهذا بكل هذا " الصدق " ؟ 

لم يتأخر الجواب ، فوجدته يوما في حوار تلفزيوني  (والمرء مخبوء تحت عظمة لسانه )، وجدت نفسي أمام شخصية تافهة ، سطحية، عديمة الفكر و تهاوت صورة الخليفة الراشد في ذهني...
متابعتي لهذا الممثل  لم تتوقف هنا ، نفس الممثل  و غيره رأيتهم  يشخصون   أدوار أخرى في أفلام أقل ما يقال عنها أنها " ساقطة" ، حينها تأكدت أن كثير منهم  عديمي المبادئ. يتقلبون بين الأدوار دون أي اعتبار سوى الإعتبار المادي ..

القسم اليوناني  ....
  لأبوقراط  قسم مازال  يقسم به الأطباء المغاربة  فيقولون : " أن أأدي واجبي تجاه مرضاي دون أي اعتبار ديني أو وطني أو عرقي " ،
حينما كنت سأأدي هذا القسم أثناء تخرجي  تسائلت عن ماهية "الإعتبار الديني" ،  
و إذا ألغينا الإعتبار الديني و الوطني و العرقي فماذا سيبقى ؟ 
بقي المال  ، الإعتبار الأهم في هذا الزمان ، فقد يأول عمليا خصوصا في بعض  المصحات الخاصة  بان الطبيب سيمتص جيبك  ليداويك ، لن يرقب فيك دينا أو قرابة ،
لكي أحل هذه الإشكالية  بحثت عن معنى  الإعتبار الديني عند أبوقراط  و  اكتشفت أنه يتحدث عن أديان وثنية متعددة ، و أنه  قصد في مجتمعه الوثني أن لا يفضل الأطباء أتباع بعض الألهة على بعض، خصوصا أن الميثولوجيا اليونانية تزخر بصراع الألهة  ،
غاب عن أبوقراط وجود إله واحد عادل أمر الخلق باتباع الحق. 
و لكن جاء  بعده من اهتدى للحق من الموحدين  ، و عند هؤلاء الموحدين يكون الإعتبار الديني أسمى الإعتبارات و أكثرها دفعا للأمانة و خدمة الإنسان،
و في زماننا المادي  هناك من يستبعد الإعتبار الديني  ليعبد إلها وثنيا جديدا :
إنها   السلطة -  المال، و هو لا يسمى في هذا الزمان  اعتبارا دينيا ، فالقسم "الأبوقراطي" لا يتطرق إليه   ... 

 قصدي من إيرادي قصة القسم اليوناني أن أبين أن لكل مهنة قسما خاصا  بها ، منطوق أو مفهوم ،  عرف يتوافق عليه...
 و لنحاول اكتشاف قسم   الممثل الذي يقوله   بلسان الحال    :
 أن أمثل كل الأدوار، في الواقع و في الخيال ، دون أي اعتبار ، سوى ما يدفعه صاحب "المال- السلطة"...

بعد سنوات ، أحياني الله إلى أن رأيت ما لم أكن أتصوره_بسذاجتي_ يوما ،  كل هؤلاء الممثلين  و المغنيين  ، قد تحولو بقدرة قادر إلى "ممثلين" ل "رأي سياسي" ، ضد فصيل سياسي منتخب لا يأتي على المزاج الدولي و مزاج أصحاب "المال-السلطة" ، يشحدون كل " إبداعهم " من أجل الإساءة له و التجييش عليه تحت دعوى حرية الرأي ،
تحولو كلهم إلى "ممثلين- مقدمين"  في  برامج سياسية تكيل النقد على طريقة المعارضين الكبار، مازجة بين الإمتاع - التضليل...
 ثم رأيتهم هم أنفسهم  بعد شهور ، و قد عادو من جديد "ممثلين"  واقفين خاشعين أمام الحاكم ،  حاشدين من جديد كل طاقتهم من أجل الترويج له  ينشدون عليه كلمات الهيام و يوجهون له نظرات الإعجاب و الإنبهار المزيفة ... 

التمثيل و الفن ....
إنهم ليسوا  بشر،حاشا الإنسانية و الدين أن ينتسبوا إليهم ، معنى الإنسانية قد فقدوه ،  إنهم أدوات ...
حاشا أن يكون " فنانين " ، فالفن فعل فردي، إرادي حر ، متجاوز ، يتسائل عن معنى الوجود 
قد يخطأ في الإجابة قد يصيب ، لكنه في كل حالاته ،  مستقل عن القيود..
هو فعل محترم... 
ليس أداة أو  بوقا  أو غريزة  أو مصيدة   أو وسيلة تضليل...


خلاصة الكلام :
إن الممثلين (في الغالب)  مجندين ، برتب ...
منهم الظابط ، المقدم ، و منهم العميد 
و لكنهم في كل الأحوال عبيد ...

تعليقات

  1. شكر الله لك أخي ياسين........وهذا شريط رائع للدكتور فريد الأنصاري رحمه الله تعالى يتحدث فيه عن الإعلام....انطلاقا من الآية الكرية ""ياأيها الذين ءامنوا لاتقولوا راعنا ولكن قولوا انظرنا واسمعوا""

    ردحذف

إرسال تعليق

الأكثر قراءة:

وصلة إشهارية للدموع....

حول كرة القدم ...

أخطاء شرعية فايس بوكية

نقد فكري لدورات التنمية البشرية

كيف تميز التصوف المنحرف عن التصوف السني ؟