دواء الخوخ ....
هل أولئك الذين يساهمون في تربية المجتمع فشلوا في تربية أبنائهم ؟
هل اهتموا بنفع الناس فأهملو أسرهم ؟
هل هذا دليل على عدم الكفاءة ؟ سيرا على المقولة المغربية : "لو كان الخوخ يداوي ، لداوى نفسه "
الذين يطرحون هذه الأسئلة غالبا ما يقعون في الخلط بين الخوخ و الإنسان ، أقصد بين المادي و الإنساني، فالتربية عملية مركبة إلى أقصى حد ، تتدخل فيه عوامل كثيرة من الأسرة الممتدة و الأصهار و الجيران و الحي و المدرسة و الإعلام و الإستعدادات الفطرية للأبناء، و الجامعة ثم الإدارة أو الشركة أو المصنع...
يمكن أن نقسم كل هذه المؤسسات إلى مؤسسات تربوية سالبة أو موجبة ، بناء على دورها في التنشئة الصالحة أو في تجفيف منابع الإنسانية و الدين في الإنسان.
و الواقع أن معظم المؤسسات هي الأن سالبة، و قانون الغابة هو السائد أكثر فأكثر، و المؤسسات التراحمية مثل الأسرة الممتدة ، و القبيلة و المسجد و المدرسة القديمة " الكتاب" و الزاوية تضاءل دورها في صناعة الشخصية لحساب القادمين الجدد ... فأصبحت الأسرة نووية منقطعة عن جذورها ، و أصبحت المؤسسات التراحمية الأخرى أضعف فأضعف...
كما أن الإنسان ليس ألة تبرمج ، فلو توفرت كل الظروف ليكون صالحا ، فاحتمال خروجه عن الجادة قائم ، و ما ذلك إلا لأنه كائن حر، يختار بين طريق الخير و طريق الشر ، فهو ليس حيوانا يمكن ترويضه ، بل هو إنسان يملك إرادة حرة للإختيار، و لهذا هو يحاسب عليها في الدنيا و الأخرة.
كل هذه المعطيات تصب في حقيقة واحدة ، التربية ليست عملية أتوماتيكية تؤتي نتائج مضمونة ، بل عملية متعددة العوامل النتائج فيها غير مضمونة ... و النتائج فيها ليست بيدنا ، بل بيد الله سبحانه و تعالى وحده.
ما أريد أن أصل إليه أيضا هو أن لا ينقدح في ذهن احد الربط بين الإجتهاد
في نفع المجتمع و بين إهمال أسرته و فساد مصير أبنائه،
فهذا الربط ليس لازم و هو مضر جدا ، لأنه يزيد من النزعة
الإنطوائية الموجودة أصلا عند الصالحين، و التي يعاني منها المجتمع المغربي
بقوة،
النماذج عديدة في كل الإتجاهات : من تفرغ لأسرته و أهمل دوره في إصلاح المجتمع
و لم ينصلح أبنائه، من أعطى وقته للمجتمع و بارك الله في أبنائه رغم أنه لم يعطهم وقتا
كبيرا ، من أداهما معا فنجح فيهما معا، من اجتهد فيهما معا و ابتلاه الله بعدم النجاح
في أي فيهما، نحن مطالبون بفعلهما جميعا و انتظار النتيجة من الله سبحانه و تعالى ،
و أن لا نحقر أي من المهام المنوطة بنا ...
و لا يجب أن ننسى أن عوامل فساد أبناء الصالحين موجودة في
المجتمع الذي يهمله الصالحون أنفسهم بفكرة الزم بيتك ... أين سيلعب هؤلاء الأبناء ،
أين سيجدون الصحبة الصالحة ، أين الجو الطاهر الذي سيقضون أوقات ترفيههم فيه ، أين
المدرسة الصالحة التي تربيهم على القيم ، أين الإعلام الذي ينمي عقولهم و لا يسفهها
...
إذا لم يتحرك الأباء و المثقفون نحو صناعة بدائل و فضاءات و برامج للأطفال و الشباب فإنهم بلا شك سيجدون صعوبة في انتشالهم من رحى ألة استهلاكية ضخمة تراهن على الغرائز و تنميط الإنسان و تفريغه من الأخلاق حتى يصبح لقمة سائغة لديها تستعمله لتحقيق مزيد من الربح...

تعليقات
إرسال تعليق