الموت عندنا وعندهم ....
مقال اليوم ينقل حوارا دار بيني و بين فرنسي كاثوليكي ـ حول طقوس الموت و تفاصيله. حيث سألته عن سر انتشار حرق الجثث بين أعداد متزايدة من الفرنسيين بدل طقوس الدفن المعروفة ...
قبل سنوات، سمعت فاصلا كوميديا لممثل فكاهي ساخر يدعى ب "عبد القادر السكتور"، وهو يتحدث عن موضوع الموت والدفن ويقارن بين المسلمين في الجزائر والنصارى في فرنسا، وهو ليس أول من اتخذ هذا الموضوع للسخرية، من صراخ المسلمين وحزنهم، وأحوال مقابرهم، بالمقارنة مع هدوء النصارى وطقوسهم المرتبة ونظافة وترتيب مقابرهم. وهذا الممثل الفكاهي على طيبته وإبداعه في مقاربته لبعض التناقضات في المجتمع، إلا أنه تفوه في ختام هذا "السكيتش" بجملة استفزتني جدا، حيث قال: " الواحد هو لي يموت نصراني"، ( أي أن ما يراه الإنسان يدفعه لتمنى أن يموت نصرانيا")
إذا استبعدنا الجانب الديني والخطأ الفادح في هذه الجملة، وذهبنا إلى مقارنة النموذج أيضا، فهذه المقارنة بدت لي حينها مجحفة وغاية في السطحية، ومع ذلك فلم يكن لدي من المستندات لكي أثبت هذه الفكرة إلى أن تعرفت إلى صديق فرنسي كاثوليكي
إسمه ريمون ، و هو أستاذ متقاعد في الجغرافيا، طيب ، صديق مقرب لصهري ، يحب زيارة المغرب كما يحب الحديث حول كل شيء ، استغللت فرصة تواجده عندنا في البيت هنا مع العائلة لكي أسأله هذا السؤال الذي أرقني فعلا ، فما السر وراء اختيار أسلوب الحرق بعد الموت ؟ ، هل هو سر ديني ؟ أم هي تقاليد وافدة من بلاد الهند ؟ أم هي أسباب اقتصادية بحثة و بحث عن كلفة أرخص ؟
أجابني ريمون بنفي قاطع ، إنها ليست تقاليد دينية و لا علاقة لها بالدين ،كما أنها ليست اقتصادية ابتداءا فالحرق أيضا _و ليس كما نتصور_ يتم عن طريق شركات تقدم هذه " الخدمة" نظير مقابل مادي ليس هينا... كما أن عدد كبير من الذين اختارو هذا الأسلوب ليسوا من ذوي الدخول المحدودة ... فهي نزعة منتشرة في جميع طبقات المجتمع ، و أخبرني أن الكنيسة كانت تتحفظ عليه و لكنها أصبحت تقبل به بسبب الانتشار الكبير الذي يلقاه...
بصراحة أصابتني الحيرة والدهشة حيث ظننت أن الجواب سينحصر فيما توقعته، فما السبب يا ترى ؟
أجابني : "إنها نزعة نحو " التبسيط " (simplification )
و بدأ يحكي لي عن صديقه جورج المتوفى حديثا ، ( و هو من الأثرياء ) ، و الذي طلب أيضا حرقه بعد موته، فقال : " دخلنا إلى مبنى أنيق زجاجي ، و ألقينا نظرة على جورج الذي كان في صندوق ورقي، أخبرناهم أن جورج يحمل في جسده قطعا حديدية نتيجة عملية أجريت له ، فأخبروني بكل ثقة : " لا شيء يقاوم الفرن " ، ثم ذهبنا إلى قاعة فيها شاشة تلفاز كبيرة ، و بقيت تبث لنا مشاهد طبيعية مع موسيقى هادئة و بين الفينة و الأخرى تنقل لنا صورة جورج عن طريق كاميرا ، ثم في لحظة ما ، يبدو لنا مشهد إدخال " جورج " إلى الفرن ، ثم عادو لبث مناظر طبيعية ، لم يستطع أبناءه التحمل ، و ذهبوا ، أما نحن فبقينا ، إلى أن أخبرونا بعد دقائق أن عملية الحرق تمت و أننا يمكننا استلام غبار حرقه في زجاجة ...يعلق ريمون قائلا : " كان شيئا سريعا و فعالا ".
كنا نحبس أنفاسنا و هو يحكي ، ثم شرع في الحديث عن " أزمة الدفن " في فرنسا حيث ينبغي لكل أحد أن يخطط لموته بأن "يشتري " مكان مدفنه والثابوت مسبقا ومصاريف الدفن الذي تقوم به شركات متخصصة، فيدفع ثمن قد يصل الى الالاف الدولارات
وكيف أنه كان في نفسه شيء من أبيه، بعد موته، لأنه لم يخطط لهذا الموضوع بشكل فعال، وتركهم في أزمة كبيرة، حيث اكتشفوا أن المكان المتبقي في مقبرة العائلة لم يعد كافيا، وصادف ذلك عطلة رأس السنة، فالشركة المكلفة بالدفن ستدخل في حالة عطلة، وغير قادرة على تدبير حل ومكان جديد لهذه المشكلة المستجدة، فالجثة ستبقى أيام العطلة دون دفن!! ، إلى أن اهتدت الشركة إلى حل سريع ! ، سوف تقوم بإلصاق خزانات في جدران غرفة المقبرة، وسوف تقوم ب"تقطيع" عظام جثث الأعمام والأجداد المدفونين لتوفير المكان وستوضع العظام في تلك الخزانة، وبهذا الطريقة تم توفير المكان للأب يدفن،
علق ريمون على هذا: "كانوا ماهرين جدا"
بينما كان يتحدث هو بحياد، كانت أعيننا مغرورقة بالدموع، على حال الإنسان، الذي ينتهي ولا يجد أرضا تدفنه، لأن أرض الله الواسعة خضعت لمنطق إمبريالي يرى في موت الإنسان وسيلة لمزيد من الثروة والإغتناء، وطرحت مع نفسي سؤالا: ما قيمة حضارة تتاجر في الموت ؟
قال بعض أفراد عائلتي: الحمد لله على نعمة الإسلام والمجتمع المسلم حيث لا يفكر أحدنا ماذا سيحدث بعد موته،
وشرحت لريمون كيف أن المجتمعات المسلمة لا تعاني من هذه المشاكل، حيث قام المحسنون تاريخيا ويقومون بتحبيس أجود الأراضي في وسط المدينة أحيانا وذوي القيمة العقارية الغالية لدفن موتى المسلمين، وحيث تتجول سيارات حبسها محسنون لنقل أموات المسلمين، وحيث يمكن لميت في حي شعبي أو في بقايا المجتمع التراحمي ، مات في غياب أهله ،أن يقوم الجيران وأهل الحي بكل الإجراءات من تغسيل وصلاة ودفن وإطعام الطعام.
وتذكرت صديقنا الفكاهي وأمثاله من "الفنانين" ، و"الأدباء" الذين يعيشون مع الأسف على جلد الذات وتمجيد الأخر، وكيف يحرمنا الإنبهار من رؤية بعض ما لدينا مما هو أفضل، الإنبهار شر محض، الإنبهار ليس تأملا منطقيا ولا قدرة على الإستفادة من الأخرين، الإنبهار هو غباء واحتقار للذات وعدم قدرة على رؤية الكنوز التي نمتلك واستثمارها وتطويرها.
والفن والثقافة والخطاب الذي يكرس الإنبهار هو سم عزاف وجريمة ثقافية ولو عن حسن قصد.
لا ثقافة صحيحة إلا بمعرفة الذات أولا، ولا معنى لإنسان ورث ثروات عن أبيه فقام بإلقائها في القمامة وتبديدها جهلا بقيمتها، والعاجز عن رؤية مكامن القوة الكامنة فينا غير مؤهل لقيادة المجتمع، أو النهوض به.
تعليقات
إرسال تعليق