أفكار العودة و أعدائها


بسم الله و الصلاة و السلام على رسول الله و على أله و صحبه 


كل فكرة تفترض أعداء لها بشكل ضمني ، في منطقها ، قبل أن يصرح أصحابها بهم .. و إن لم يصل الامر إلى العداوة فهم على الاقل خصوم . و يشكل الحديث عنهم  جزءا قارا من الخطاب. 


ففكرة العودة للسنة ، تفترض أن أعدائها  هم مسلمون مخالفون للسنة أي " مبتدعة " في نظرها ,,

و فكرة العودة للقرأن ، تفترض أيضا أن خصومها ، هم مسلمون مفرطون في القرأن ...  و قليلو الصلة به...

و فكرة العودة للعقل ، أو  العودة للمقاصد ، تفترض أن خصومها هم جامدوا الفهم ، متمسكون ب"حرفية النص" دون إدراك ل"مقصد التشريع" 

و الغريب أن كل هاته الافكار ، لا تستطيع بحكم صياغتها ،أن تجرد عدوا من خارج المسلمين !!! 
فالخصم دائما مسلم مقصر  في هذا الجزء الذي تركز عليه الفكرة ..

تتطور الخصومة في المنطق الضمني للأفكار ، إلى تحميل الخصم مسؤولية تخلف الامة و انكساراتها ، فالمفرط في السنة أو القرأن أو العقل هو سبب الكوارث المتلاحقة ... 

تتشكل مفاهيم السنة - القرأن - المقاصد لتأخذ معاني و صورة محددة في أذهان معتنقيها،
فالسنة تعني الاقتداء بكل ما ورد من أثار نبوية  شكلا و مضمونا ، و الاقبال على علم الحديث،  و القرأن يعني التمسك بقراءاته و تدبره ، و المقاصد تعني قراءة جديدة مناسبة للعصر - الذي أصبح المسلمون فيه أكثر ضعفا - ، قراءة  أكثر مرونة مع الواقع ... 
 تترسخ هذه الصورة  في وجدان متبنيي هاته الافكار كما تصبح أساسا للتفسير ...   و لكن هل لهذه التفسيرات مصاديق في الواقع ؟ 
لنأخذ بعض الامثلة : 
هل احتلت فلسطين لأن الامة فرطت في السنة عامة  أم في أحكام  الجهاد و ما يتعلق بها من سيادة و استقلال  ؟ 

و هل تفقد الامة من شبابها المنزلقين في هوة الافكار الاجنبية و العدمية ،  لأن هؤلاء الشباب لا يقرؤون السنة ، أم لأنهم لا يقرؤون الدين  أصلا ،عقيدة و شريعة و تربية ... 

و هل يتقدم الاستيطان قدما الان لأن الامة لا تقرأ القرأن أو لا تفهمه بشكل مقاصدي ، أم لأنها لا  تطبق أياته المتعلقة بموالاة المؤمنين لبعضهم البعض، و الاحكام الناتجة عنها .


و هل يختلف الامر إذا التزم المسلمون بالحكم و اختلف المصدر ؟
 إذا أخذ المسلمون  هذه الاحكام  كحكم شرعي واجب الاتباع من العلماء سواء كانت منصوصا عليه في القرأن أو السنة أو القياس (1)... أو قرؤوه في أحد هذه المصادر  ؟
 هل العبرة في التطبيق أم في مجرد القراءة ؟  

هل  يعد الاعاجم المطبقين لهذه الاحكام بإخلاص دون احتكاك بالمصادر سببا في تخلف الامة ؟ هل يشترط الاحتكاك بهذه المصادر للإلتزام بالدين،  و هل يصدق _بناء على أفكار العودات و الاتصال المباشر بهذه المصادر _ان نحمل العاملين بهاته الاحكام ، الأعاجم القليلي المعرفة بالقرأن و السنة أصلا ، مسؤولية فشل هذه الامة و هم أحيانا في مقدمة المدافعين عنها ؟ 

إن هاته الافكار تبدوا قاصرة جدا في تقديم تصنيف حقيقي : للمنتمين  للامة و لخصومها ...
و إن التصنيف الابلغ هو التمسك بأحكام الشريعة الظاهرة و الباطنة ، و في هذه المنظومة المركبة ، و بالاولويات التي تتضمنها الشريعة يمكننا أن نصنف مدى القرب ، الانسجام ، أو البعد - الخصومة مع الاسلام ..
فالانسان يقترب أو يبتعد بمقدار ما يعبر عن الشريعة بقضاياها و بأحجامهم و ميزانهم. 
و يكون حينها الذي يحارب الشريعة و الاسلام و لا ينتمي إليه جملة  أشد خطرا من سواه ، و هكذا لا يصبح المسلمون أشد خطرا على الاسلام بالضرورة ،
 و هكذا يمكن أن نستعيد ميزان حقيقيا و صحيحا.  قوامه الالتزام بالاحكام لا مجرد ادعاء الارتباط بالمصادر. فالاحكام هي مناط التكليف و هي متعددة المصادر ، أما  المصادر فدالة عليها وفق منطق علمي متخصص. و بيان الاحكام  لعامة المسلمين و الالتزام بها هو الاهم. 

 لفعل ذلك  يتحتم علينا أن نتخلى عن هذه الشعارات الجزئية : العودات . فهي شعارات تبسيطية  ثبت ضررها و قصورها.  
و أن نحتفظ بشعار واحد : العودة إلى الاسلام 
" هو سماكم المسلمين من قبل " 

هامش (1) 
قرأت المقال على أحد العلماء الفضلاء ، و أضاف حجة أخرى على صحة ما ذهبت إليه أن هناك أقيسة في الشريعة الاسلامية أقوى من ظني القرآن أو السنة.  و أن هذا لا يفهمه المتمسك بفكرة العودة لمصدر واحد. 

تعليقات

  1. الايمان ما وقر في القلب و صدقه العمل
    ابارك لكم المقال

    ردحذف

إرسال تعليق

الأكثر قراءة:

وصلة إشهارية للدموع....

حول كرة القدم ...

أخطاء شرعية فايس بوكية

نقد فكري لدورات التنمية البشرية

كيف تميز التصوف المنحرف عن التصوف السني ؟