الخدمة الصحية الوطنية و الحلول الخاطئة



سألني الاصدقاء عن رأيي في قضية الخدمة الاجبارية ، و أنا عندي طلب من الاصدقاء أن لا يكونوا رأيا مسبقا دون معرفة بالموضوع ، و أن يستمعوا لحجج الاطباء و  الطلبة و لحجج وزارة الصحة. 
هذا المقال هو تلخيص للمعضلة و اقتراح للحل : 
اكتبه  لمن يريد أن يفهم  بدقة الموضوع .
للطلبة و الاطباء ( و أنا واحد منهم )  كرؤية للحل ، ليصبح من جزءا من برنامجهم النضالي. 


رأيي يتلخص في أن مشكلة الولوج للخدمات الصحية في المناطق النائية كما في المناطق الحضرية أيضا قائمة ، فقطاع الصحة مع الاسف من أفسد القطاعات و من أكثر القطاعات تدهورا في المغرب ، ليلة في مستعجلات أكبر مستشفى جامعي في المغرب كفيلة بأن تشرح بعين اليقين ما المقصود بالمعاناة و الكارثة ... 
هل الخدمة الصحية الاجبارية حل ؟  لو فرضنا أن الاطباء و الطلبة ولاد الفشوش ، و لا يريدون ترك السكن الوثير في المدن ( و هذا مع قليل من التأمل غير صحيح ) هل تشكل حلا حقيقيا .

دعوني نسرد  مشكلة المناطق النائية  من البداية حتى نفهم كيف نشأت .
كانت وزارة الصحة تعلن عن مباريات إدماج في الوظيفة العمومية للأطباء العامين بمعدل 400 مقعد سنويا  تقريبا ،  أضعفاها لامتحانات التخصص التي يتعاقد بها الطبيب مع وزارة الصحة لكي يقضي 8 سنوات في الوظيفة العمومية بعد نهاية التكوين.  يمكن أن تنقص منها المدة التي قضاها مع الوظيفة العمومية كطبيب عام. فإذا قضى أربع في هذه المناطق النائية فسيطالب بأربع فقط بعد إنهاء مسار التخصص ، هذا كله كان محفزا. 
كان الاطباء يقبلون على امتحانات الادماج و يقبلون الارسال إلى المناطق النائية لأن هذا لم يكن يمنعهم أن يجتازوا امتحان التخصص بعد سنة ثم سنتين  ، كانت المباريات تمر على ما يرام ، يعوض الجديد القديم ، من يوفق للتخصص "امتحان الاقامة" يأتي أخر ليعوضه من المدمجين حديثا ،  الانتقالات أيضا كانت  سلسة بعد جمع النقاط اللازمة. 
هذه الصيرورة تستلزم فتح مناصب جديدة سنويا بنفس المقدار.
ابتداءا من 2011 أو  قبلها بقليل  بدأت وزارة الصحة في تقليص المناصب المخصصة للأطباء العامين ، ( يقال إنها شهدت توسعا و تضخما في الموارد البشرية الغير طبية و  يقال أن هذه سياسة اقتصادية فرضها البنك الدولي و يقال أن هذا من بشائر الوزيرة الاستقلالية حينها   و  الله أعلم ) ، إذا من سيجتاز التخصص لن يجد مقعدا ماليا جديدا ليعوضه.
الحل السحري الذي اهتدت إليه الوزارة هو تقييد اجتياز التخصص و  تقليل المقاعد المخصصة له ، ( لاحظ أن في  هذا نقض للشروط التي اجتاز الاطباء العامون على أساسها مباراة الادماج و تنصل من الالتزامات  ) ، حيث وضعت تباعا القيود التالية  :
1) المدة الادنى هي سنتين ، لا يمكن قبلها اجتياز امتحان التخصص. 
2) لا يمكن الاجتياز إلا بموافقة مكتوبة من مندوب الصحة ( أصبحت أكثر صعوبة) 
3) لا تحتسب المدة المقضية في 8 سنوات . أي يجب على من توفق للنجاح أن يبدأ 8 سنوات جديدة  بعد نهاية التخصص ، و هذا إجراء طبق على القدامى أيضا  بأثر رجعي ( و هو أيضا تنصل مرير من الالتزامات ) .
4) الاخيرة و هذه من إبداعات الوزارة الجديدة  : النجاح في الامتحان مقيد بكوطا خاصة : نسبة 10 في المائة من الاطباء العامين المدمجين ، و حتى و لو كانوا الاكثر عبقرية و تفوقا  ، فحظوظهم محدودة ،  و لا تتاح لهم إلا تخصصات تسمى ذات أولوية هي طب الاطفال و طب النساء و التوليد و الجراحة العامة ، أي تخصص أخر غير متاح.  

ماذا يعني هذا ؟ 
تحول ادماج الاطباء العامين  في الوظيفة العمومية  إلى سجن كبير ، لا يتيح أي تطور  مهني أو تكويني ،  بل حتى الانتقال إلى قرية أو مدينة قريبة  لم يعد ميسرا ، اللهم للنافذين أصحاب الواسطة الذين يطيرون إلى الرباط و سلا أو الدار البيضاء  بطريقة سحرية .  
من سيحكم على مساره المهني بأن يبقى طبيبا عاما  في منطقة بعيدة دائما ؟ و أن لا يتخصص فيما يريد ؟ 
يكفي أن يكونوا ميولي لتخصص خارج  التخصصات الثلاث التي ذكرت لكي لا أجتاز هذه المباراة.  فهذا المسار لم يعد فيه أي أفق. 
إلى ماذا أدى هذا ؟
إلى نتيجة عكسية ، مقاطعة لامتحانات التخصص  و الادماج في الوظيفة العمومية في الطب العام  في سنة 2011 ، في إطار حركة منظمة ، ثم  تبعه   حالة عزوف استثنائي ،  استمر حتى يومنا هذا ، فاقم مشكل الخصاص . حتى أصبح المراكز الصحية القروية المنشئة لا تجد طبيبا يعمرها. و الاطباء الذين اجتازوا الادماج بقا كثير منهم  سجناء نتيجة الخصاص.  

الحل الخاطئ يؤدي إلى مفاقمة المشكل لا حله.

الان تريد الوزارة إجبار الاطباء العامين على شغل هذه المراكز بشكل مستمر و لكن بطريقة   لا تورطها ماليا ، لأنه ليست على استعداد لحل المشكل من أصله ، توفير مقاعد كافية للتخصص و الطب العام، و تحفيز  الاطباء العامين على الالتحاق بالوظيفة العمومية ( و  أغلبهم في حاجة ماسة إليها ) عن طريق إعطائهم  الحق في إتمام مسارهم التكويني التخصصي.  و تقديم تحفيزات كافية.

هل الخدمة الاجبارية ستحل المشكل ؟ 
لا يمكن أن تحرم فئة واسعة من حقوقهم و تراهن عليهم لحل مشكل أنت كنت السبب فيه. 
أأكد لك ، ستفاقمه ، العزوف لن يبقى فقط في اجتياز مباراة الوظيفة في الطب العام ، بل سيتحول إلى عزوف عن أداء الواجب بالنسبة للمجبرين على الخدمة  و مزيد من القتل للحس الانساني الضامر أصلا ، و هذا سيفرغه من أي فائدة ممكنة،  
كما أنه سيتحول على المدى المتوسط و الطويل  إلى  عزوف عن دراسة الطب في الكليات العمومية  لمن يرون تحول الدراسة الطبية الطويلة و الشاقة و المليئة بالخدمات الصحية الوطنية طوال مسارها فيما يسمى بالتدريب  و التكوين ، حيث ستتحول  مدتها إلى 10 سنوات. و هذا سيقلل الرغبة في ممارسة هذه المهنة النبيلة في هذا البلد.  
و بعدها ربما سقترح وزارة حينها   مشروع للدراسة الاجبارية للطب. أو استيراد المزيد  من الاطباء من  الصين أو أوكرانيا .. 

أنا أتكلم هنا عن تقييم الاجراء في حد ذاته ، أما هل المراكز الصحية النائية مجهزة ،و هل المستشفيات الجهوية مجهزة و مؤهلة لاستقبال المرضى... فهذا موضوع أخر. 

هل لدينا رؤية للحل ؟
نعم  
نعود إلى النظام القديم  ، توفير المقاعد المالية  سنويا  للادماج المباشر و لامتحان  التخصص  مع محفزات أهمها  حرية اجتياز الامتحان دون قيود على الاختيار ،كل الاطباء ليس عندهم مانع أن تكون خدمتهم  للمناطق النائية مرحلة  لسنة أو سنتين أو حتى أكثر  يتبعها إمكان  اجتياز لامتحان التخصص  و اختيار التخصص الذي نرغب فيه دون إكراه. 
معنى أن تكون هناك مناصب جديدة دائما هو أن يكون هناك  تحسن دائم ، فالطبيب البعيد عاما كان أو اختصاصيا لن يبقى طوال حياته بعيدا بل سيقترب و سيعوض، و هذا سيشكل محفزا كبيرا للإقبال على الوظيفة العمومية. 
أن تلغى كل الاجراءات المقيدة في هذا المجال.  و تعطى ضمانات  لاستمرار ذلك ، مثل تحول هذا الحق إلى قانون مثل إجراء رئيس الحكومة في إلغاء اشتراط موافقة الادارة لمواصلة الدراسة بالنسبة للموظفين.  
هذا حل يحفظ حق  الطبيب  في مواصلة تكوينه و وضعه المالي و الاداري  ، فهو طبيب مرسم ، يمكنه تطوير إمكاناته ، 
المسألة الثانية و لا تقل أهمية هي  تجهيز المؤسسات الصحية البعيدة  لتصبح الممارسة الطبية فيها تحترم حد أدنى من العلمية و الخدمة الحقيقية للمريض.  و أقترح هنا إعداد لوائح بالاجهزة الضرورية و مراقبة توفرها  فهذا مشكل مزمن يعاني منه الجميع ، حتى لا يذوب هذا المطلب   فهو  أساسي حتى يكون لوجود الطبيب  فعالية ، و لا نهدر التكوين الذي أنفق عليه. و هو مطلب  بكل صراحة قد لا يجد الاطباء و الطلبة  الحماس الكافي للنضال من أجله إذا لبيت له المطالب الاخرى.  لا يجب أن يكون هذا المطلب مجرد تكتيك نضالي ، بل مطلب حقيقي تلتزم الوزارة به و تشكل لجنة  من الاطباء لمراقبة تنفيذه ، و يخاض من أجله إضرابات في حالة عدم الالتزام به، هذا هو المعنى الاخلاقي الذي يجعل هذا النضال انتصارا أيضا  لحق المريض. 

إذا كانت الوزارة لها رغبة حقيقة في الإصلاح  ، فهذا الحل يحتاج  إلى إرادة سياسة و إلى استثمار و عدم الرضوخ لمطالب صندوق النقد الدولي في جعل الدولة في حل من أي تعاقد دائم و تخفيف الموارد البشرية الصحية للطب العمومي.  

تعليقات

الأكثر قراءة:

وصلة إشهارية للدموع....

حول كرة القدم ...

أخطاء شرعية فايس بوكية

نقد فكري لدورات التنمية البشرية

كيف تميز التصوف المنحرف عن التصوف السني ؟